حبيبي يخونني ، وأفكر في الانفصال لكني لا أستطيع الاستغناء عنه

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ


أكتب اليك، سيدتي بعدما ضاقت عليً الدنيا، مشيت ساعات وساعات دون هدف محدد، وعدت منهكة الجسم، مشوشة الفكر، فقررت أن ألجأ لشخصكم الموقر.
توفت والدتي وعمري لم يتجاوز العامين، تركتني أنا وأختي التي تكبرني بعام واحد فقط، ولم يكن لنا جدة أو خالة ترعانا، وكان والدي منشغلا بمناصب هامة تقلدها. ولا أتذكر حينما تزوج، ولا أتذكر الأيام الأولى في حياتنا مع طنت نعمات، لأنني لم أناديها "ماما" أبدا. لم تكن طنت تعذبنا كما يحدث في الأفلام، ولا تحرمنا من الطعام، ولم تكن ملابسنا قديمة ومتسخة، ولم تكن تحملنا الأعمال المنزلية كما قرأنا في قصة سندريلا. كان منصب والدي الرفيع يتطلب ظهورنا بمظهر لائق، ويحتم وجود عدد ممن يقومون على الخدمة في البيت والعناية بكل صغيرة وكبيرة تخصنا. لم تنجب طنت نعمات فتفضل أولادها علينا، لكنها فعلت ما هو أبشع، هدمت ثقتي في نفسي كفتاة ثم كامرأة فيما بعد. سألتني إحدى صديقاتي فيما بعد عن تواضعي الزائد عن الحد وعدم إحساسي بجمالي، فقد كانت صديقاتي ينظرن الى عيناي الزرقاوتان، وشعري الكستنائي، وبشرتي الصافية، لكني حينما ولدت، يبدو أن الطبيبة جذبتي من ذراعي فتأثر قليلا لذلك، غير أنه يتحرك بصورة طبيعية ظاهريا، وإن كنت لا أستطيع أن أرفعه بشكل كامل الى أعلى نقطة، ولا أن أديره بشكل كامل، لكن هذا لا يكون ظاهرا لمن حولي، أولا لأنني حصلت على العلاج الطبيعي اللازم من صغري، ثانيا لأنني تدربت على الحركة بحيث لا يظهر هذا "العجز"- كما كانت تسميه طنت نعمت- أمام الاخرين. برغم أن هناك من تعاملوا معي لسنوات في شتي مواقف الحياة دون أن يلحظوا شيئا، لأن ذراعي يتحرك في كل اتجاه، لكن يجب أن أتجنب زاوية معينة حادة جدا، لا يستطيع أن يصل اليها.
إعذريني إذا اسهبت في وصف حالتي لأنها كانت السبب في كل ما حدث لي في حياتي من معاناة وألم. إذ كنت أعتبر نفسي "معاقة"! تعلمت في أفضل المدارس، وتخرجت في أفضل الجامعات وتم تعييني في إحدى الجامعات الخاصة لتفوقي. تزوجت أختي وهاجرت الى كندا مع زوجها، فازدادت وحدتي ومعاناتي. ثم تقدم لي مهندس قالوا أنه ناجح وأمامه مستقبل مبهر. بينما ترددت في قبول الإرتباط به، كانت طنت نعمت تردد يوميا بصوت مرتفع، أنه من المفترض أن أقبل يديه كل صباح لأنه وافق على الإرتباط بفتاة معاقة وعاجزة!
وافقت وكنت بداخلي ممتنة له، لكن مع الوقت تأكدت أنه يراني جميلة، وأنه لم يلاحظ مشكلة ذراعي الا لما نبهته لها، لأني لم أكن لأخدع إنسان قرر الإرتباط بي وأغشه. مشكلتي مع حاتم كانت مختلفة، اولا لأنه أدرك هشاشتي فسعى للسيطرة عليً بالكامل، فلا يكون لي رأي في تربية أولادنا ولا تعليمهم، ثانيا لأنه كان يغار من نجاحي وتقدمي العلمي لأنني بهذا أستعيد ثقتي بنفسي، او بالأحرى أرمم تلك الثقة. وأخيرا أنه كان يفكر في ثروة والدي ومنصبه، وكيف يمكنه الإستفادة من علاقاته. كان يسعى ليثبت لي كل لحظة أني لا أصلح لشئ وأنه اخطا الإختيار.
خرجت محطمة من هذه التجربة ومعي ثلاثة أطفال، لكنني إنتهيت من رسالة الماجستير، وثبتت اقدامي في عملي كمدرس مساعد في الجامعة. بعدها أصيب والدي بأزمة قلبية بعد الإستغناء عنه وإجباره على الإستقالة بعد أن تغير النظام السياسي في بلادي. وبقيت أرعاه وأرعى أولادي الثلاثة، وأعكف على رسالة الدكتوراه حتى انتهيت منها. وسط هذا الإضطراب، كان هناك أحد طلابي، لم يلف نظري، فلم يكن من الطلاب المتفقوقين أو المبهرين بثقافتهم وحضورهم ومناقشاتهم اثناء المحاضرات، كان ضعيف البنية لدرجة الهزال، إنطوائيا، ولا يكاد يلاحظ وجوده. في البداية أرسل لي رسالة حينما تغيبت لرعاية والدي في المستشفى، ثم جاء مصطحبا كثير من الورود لزيارته، ثم خرج لشراء طعاما للأولاد. في اليوم التالي إستأذن في اصطحابهم في نزهة، وبدأ تعلق الاولاد به، فلم يعرفوا حنان الأب، ولم يعوضهم جدهم لإنشغاله طوال الوقت، وكنت أعمل نهارا في الجامعة وليلا في رسالتي، فكانوا مفتقدين الحنان والحب. ولم أكن أفضل حالا منهم، لأني لم أجد إهتمام أو العطاء إلا منه. تطورت الأمور سريعا، فلم يعد بمقدور الأولاد الإستغناء عنه، ومن جانبي صرت أعتمد عليه تماما. وبعد أن أنهى دراسته، وانتهت علاقته بالجامعة، تحدث مع أسرته، لكنهم ثاروا ثورة عارمة، لكننا تزوجنا، برغم مقاطعة أهله لنا، وأخذهم مفاتيح الشقة التي إشتروها لزواجه، وتجريده من سيارته ومن أي دعم مالي. جاء خالد ليعيش معنا في البيت، وبدأ العمل في شركات بسيطة، واستعنت ببعض الأصدقاء لتوفير فرصة عمل مناسبة له. وكنت أدعمه كل لحظة ليتمكن من بناء مستقبله واستعادة نفسه ، فقد كانت سلطة والديه طاغية لدرجة محت شخصيته، وكان تمرده عليهم، الشرارة الأولى ليخرج من الشرنقة التي نسجوها حوله. فبدأ يخرج مع اصحابه، وبدأ يسافر معهم ليوم أو اثنين، بدأ حياة طبيعية لشاب في سنة، ولم ذلك يزعجني، لكني إكتشفت بعد فترة أن له علاقة بفتاة تعمل في تقديم الخمور في بار!   
سيدتي، كان خالد حصني الأخير، معقلي الأخير، فتهاوت بعده ثقتي في البشر!  الآن هو يحاول ويحاول، يحاول استعادتي، يبكي، يقسم أنها نزوة، لكن برغم أني مجروحة جرحا لن يندمل مهما طال الزمن، إلا اني لا أتخيل الحياة بدونه... لكن ما هو الضمان؟ ماذا لو تكررت نزواته وزلاته؟ لم يعد مراهقا، وأنا اليوم كما يقولون، جميلة ومرغوبة وفي كامل صحتي ونشاطي، ماذا لو ظهرت علامات الشيخوخة أو أصابني مرض؟ لن يتخلى عني، أعرفه جيدا، لكنه سيتزوج ممن تصغرني بسنوات، ولن أتحمل ذلك.. فهل أتركه واعيش لأولادي؟ أم أتحمل المخاطرة وأستمع لقلبي؟
الرد...
دكتورتي الجليلة...لمست رسالتك شغاف قلبي، معاناتك في طفولتك، موت الأم ثم غياب الأخت وإنشغال الأب.. تأثرت كثيرا لآلامك ووحدتك، لكفاحك وحدك في الحياة، والذي يثبت بما لا يدع مجالا للشك أنك أقوي بكثير مما تتخيلين. وسط ظروف قاسية جدا ومعاناة مع زوج أناني وبغيض، وبرغم إنجاب ثلاثة أطفال، تمكنتي من الإنتهاء من رسالة الماجستير، وبرغم الطلاق، ومرض والدك ومسؤولية الأطفال، استطعتي التوفيق بين بيتك وعملك والإنتهاء من الدكتوراه..
حبيبتي الغالية.. أعلم أننا لا نكاد نختار في كثير من الأحيان، فحينما نعيش فترات إضطراب وقلق، حينما نعيش لحظات يأس، نلقي بأنفسنا أول فخ ينصب لنا، نتشبث بأول يدً تمتد لنا.. ما حدث لك مفهوم من الناحية النفسية وعلى المستوى الإنساني البشري، فأنا لن ألومك عليه. فقد كنت في حالة إضطراب بسبب طلاقك، ثم جاء مرض والدك وخوفك من فقد آخر إنسان لك في هذا الكون بعد سفر أختك، فأنا أقدر وحدتك واضطرابك. لكن اليوم، الأمور واضحة جلية أمام عينك، هذا شاب يصغرك بسنوات، فإما أن تقبلي بزواجه اليوم أو غدا، لن أخدعك، هذا ما سيحدث آجلا أو عاجلا، أو تقبلي بخيانته مرة تلو الأخرى.
أنا أعتقد أن خالد لم يكن كاذبا أو مدعيا في مشاعرة تجاهك، هو أيضا كان بحاجة لك في هذه التوقيت لتعالجي تسلط أبويه، ليستعيد إحساسه بذاته، برجولته. ولا تنسي إنبهار الطلاب عموما بأساتذتهم، لكنه ينمو ويتطور، كما أردتي له، فلا استغرب إنشغاله بمن هن في سنه. حبيبتي، لو أردتي رأيا صائبا، إنتظري أن يجمعك القدر بمن يليق بك أجتماعيا وثقافيا ويكون جديرا بتلك الروح الشفافة التي شعرت بها من خلال سطور رسالتك. أو تفرغي لرعاية أولادك، لكن الإستمرار في هذه الزيجة سيجهز على ما تبقى منك. حبيبتي.. أعتقد أنك تستحقين أفضل بكثير.. وأعتقد أن الله سيمنحك من يعوضك الحرمان والمعاناة والتعب، من يكون قادرا أن يحتويك بالكامل، تحتاجين من يكون ناضجا ليحمل مسؤوليتك ويكون أبا حقيقيا لأطفالك.. أنا على ثقة من رحمة الله وعدله ولطفه.. 

 

للتواصل  [email protected]
أو الفيس بوك :  https://www.facebook.com/hmsatelqlop99/

المصدر: أهم الأخبار - الشبكة العربية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق